محمد أبو زهرة

1469

زهرة التفاسير

الخطاب ، ويكون المعنى أن هؤلاء الذين كفروا لفرط جزعهم على الذين فقدوهم يقولون لإخوانهم الأحياء : لو كانوا مقيمين معنا ، وملازمين بيوتهم ، ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا فيها ما ماتوا وما قتلوا ؛ فالأحياء يتبادلون الكلام في شأن الذين قتلوا أو ماتوا . ويقول الزمخشري : إن اللام هنا ليست دالة على الخطاب ، إنما هي للتعليل ، والمعنى : يقول أولئك الذين نجوا لأجل ما فقدوه من إخوانهم ، تحسرا وأسفا عليهم : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا . وهذا القول ينبعث من قلوب غير مؤمنة يسيطر عليها غم حاضر وهم غابر ، وهو يدل على ضيق العقول ، ومصادمة لكل معقول تحت تأثير الهوى الجامع المسيطر ، فإنهم ما داموا قد خرجوا مختارين ، فليس لكلمة « لو » مقام بعد ذلك في اعتبارهم ، ثم إن هذا الكلام يضعف العزيمة ، ويفتح القلوب للخور ، فالمأسور بهزيمة الماضي لا ينتصر في المستقبل ، وفوق هذا فإن ذلك القول يدل على عدم تفويض الأمور للّه سبحانه ، فهو مسيّر كل شيء ، وكل شئ عنده بمقدار ، وعلى المؤمن أن يعمل ويجد ، ويترك تقدير الأمور لرب العالمين ، وما حاول إنسان أن يضبط شؤون المستقبل كما يجب إلا أصابه اللّه سبحانه وتعالى بما يخالف تقديره ، ويبطل تدبيره ، وهذا القول لا يصدر أيضا إلا عن قوم لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، ولا يرجون ما عند اللّه سبحانه وتعالى ، ولذلك ذكر سبحانه أنه من خواص الذين كفروا باللّه واليوم الآخر ، وإن تلك الحال اليائسة القاتلة شأن من شؤون الذين يلحدون في اللّه دائما ، وهي عقاب دنيوي لهم ، ولذا قال سبحانه : لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ . اللام هنا هي التي تسمى لام العاقبة ، وهي تدل على المآل ، ولا تدل على التعليل الباعث ، وذلك مثل قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً . . . ( 8 ) [ القصص ] فإنه ما كان الباعث على الالتقاط هو أن يكون لهم عدوا وحزنا ، بل كانت النتيجة هي العداوة .